الشنقيطي

366

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وهذا الذي قاله حقيقة دقيق مأخذها ، لأنه لو لم يكن بعد إدخال الحجرة في مأمن من الصلاة إليه لكان وثنا وحاشاه صلى اللّه عليه وسلم يكون في حياته داعيا إلى اللّه وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى يكون قبره وثنا ينافي التوحيد ، ويهدم ما بناه في حياته . وكيف يرضى اللّه لرسوله ذلك حاشا وكلا . هذا مجمل ما قيل في هذه المسألة . وجهة نظر وهنا وجهة نظر ، وإن كنت لم أقف على قول فيها ، وهي أن كل نص متقدم صريح في النهي عن اتخاذ المساجد على القبور ، بأن يكون القبر أولا ثم يتخذ عليه المسجد . كما جاء في قصة أصحاب الكهف : قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ( 21 ) [ الكهف : 21 ] أي أن القبر أولا والمسجد ثانيا . أما قضية الحجرة والمسجد النبوي فهي عكس ذلك ، إذ المسجد هو الأول وإدخال الحجرة ثانيا ، فلا تنطبق عليه تلك النصوص في نظري . واللّه تعالى أعلم . ومن ناحية أخرى لم يكن الذي أدخل في المسجد هو القبر أو القبور ، بل الذي أدخل في المسجد هو الحجرة أي بما فيها ، وقد تقدم كلام صاحب فتح المجيد في تعريف الوثن : أنه ما سجد إليه من قريب . وعليه فما من مصلّ يبعد عن مكة إلا ويقع بينه وبين الكعبة قبور ومقابر . ولا يعتبر مصليا إلى القبور لبعدها ووجود الحواجز دونه ، وإن كان البعد نسبيا . فكذلك في موضوع القبور الثلاثة في الحجرة ، فإنها بعيدة عن مباشرة الصلاة إليها ، والحمد للّه رب العالمين . وأيضا لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه كلاما في ذلك ملخصه من المجموع مجلد 27 ص 323 وكأن النّبي صلى اللّه عليه وسلم لما مات ودفن في حجرة عائشة رضي اللّه عنها . وكانت هي وحجز نسائه في شرقي المسجد وقبلية ، لم يكن شيء من ذلك داخلا المسجد . واستمر الأمر على ذلك إلى أن انقرض عصر الصحابة بالمدينة . ثم بعد ذلك في خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان بنحو من سنة من بيعته وسّع المسجد وأدخلت فيه الحجرة للضرورة . فإن الوليد كتب إلى نائبه عمر بن عبد العزيز ، أن يشتري الحجر من ملّاكها ورثة أزواج النّبي صلى اللّه عليه وسلم ، فإنهن كن توفين كلهن رضي اللّه عنهن ، فأمره أن يشتري الحجر ويزيدها في المسجد فهدمها وأدخلها